"شب يلدا، أو ليلة يلدا، أو ليلة تشلّه (Chelleh)، أسماء أطلقها الإيرانيون القدامى قبل أكثر من 2500 سنة على أطول ليلة في التقويم الفارسي، إيذانًا بالانقلاب الشتوي وبدء فصل الشتاء". بهذه الكلمات يبدأ الجد محمود إيزدي (78 عامًا) حكاية أسطورة "ولادة الشمس وهزيمة ظلام الليل"، لحفيده برسام (8 أعوام).
وتوافق "شب يلدا" آخر أيام الخريف ليلة أول أيام الشتاء في التقويم الإيراني (يوم 21 ليلة 22 ديسمبر/كانون الأول)، ويحييها الإيرانيون وأبناء الدول المجاورة (أذربيجان وطاجيكستان وأفغانستان وباكستان وأبناء العرقية الكردية)، حتى بزوغ الشمس، رمزًا للنور وزوال الظلام؛ إذ تبدأ ساعات النهار في اليوم التالي في الزيادة على حساب ساعات الليل.
وبينما أمسى محمود سعيدًا بالتئام شمل العائلة وحضور ابنه البكر بدرام (40 عامًا) برفقة أسرته للاحتفال بالمناسبة، تنهي زوجته إيراندخت (71 عامًا) مكالمتها مع ابنتهما بوران (37 عامًا)، التي تغيبت عن الحفل بسبب هجرتها إلى كندا قبل 5 سنوات، ويطلب رب الأسرة من الجميع وضع الهواتف النقالة صامتة في سلة، لعدم تعكير صفو البهجة.
يشير محمود -للجزيرة نت- إلى جذور مفردة "يلدا" السريانية الدالة على ولادة الشمس وانتهاء أطول ليلة مظلمة في السنة، موضحًا أن بعض الحكايات والأساطير الإيرانية تتحدث عن ولادة السيد المسيح عيسى بن مريم في هذه الليلة، والاحتفال بعيد الميلاد.
ويضيف الجد -مخاطبًا حفيده برسام- أن الأساطير الإيرانية القديمة تذكر "يلدا" كونها ليلة ولادة آلهة الصدق والمحبة الموسومة بـ"ميترا"؛ وهي مأخوذة من مفردة "مهر" الدالة على الشمس، فيحتفل الإيرانيون القدامى بها، ويرقصون ويشعلون النيران لإبعاد الشرور.
وتتابع إيراندخت حديثها للجزيرة نت، موضحة أن الرمّان في مائدة "يلدا" يرمز إلى البركة والولادة وقدسية مكانة الأسرة وصلة الرحم، كما أن البطيخ الأحمر يدل على الفرح ودفء الصيف. وهناك قناعة شعبية بأن أكل القليل من هذه الفاكهة في ليلة "يلدا" يقي من نزلات البرد طوال فصل الشتاء.
وتعزو إصرار الإيرانيين على الاحتفال برفقة كبار السن إلى اعتقادهم برمزية الشيوخ والكهول إلى شيخوخة الشمس في نهاية الخريف، مؤكدة أن التفاح يرمز إلى الصحة واستمرارية الأجيال، إلى جانب الحلويات التي تبشر بحلاوة الأيام المقبلة والتفاؤل بالمستقبل.
وتخلص المواطنة الإيرانية المسنّة إلى أن ليلة "يلدا" تبيّن المكانة المرموقة للأسرة في الثقافة الإيرانية، إذ تحرص على الاحتفال بتوفير دقيقة إضافية عن باقي الليالي، واستغلالها بالسهر والسمر والحكايات بحضور جميع أفراد الأسرة في بيوت كبار السن، إكرامًا لهم.
بلدية طهران تنصب تصميما ضخما للرمان في ساحة آزادي غربي طهران 1(الجزيرة)
ويوضح الدكتور بدرام أنه مع حلول ليلة "يلدا" تبلغ الشمس ما يُسمى بنقطة الحضيض في الأفق الجنوبي؛ ما يؤدي إلى قِصَر النهار وإطالة الليل. ومع الانقلاب الشتوي تبدأ حركة الشمس نحو الأعلى، ما يتسبّب بإطالة ساعات النهار وقصر الليل.
وفي نهاية المطاف، ترى بَرِيوَش (28 عامًا) -ابنة الحاج محمود والحاجة إيراندخت- في المناسبة متنفسًا للترفيه عن النفس، والابتعاد عن كآبة الخريف، ووضع هموم المجتمع وأحزانه جانبًا، وترى أن أفضل ما تحب في طقوس "يلدا"، هو التفاؤل بديوان الشاعر حافظ الشيرازي؛ إذ يقرأ كل فرد من الحاضرين صفحة من الكتاب، ويتفاءلون بالإشارات الواردة فيها.
وتنادي أم الأسرة ابنتها بـ"عَزيز دُردُونِه" (آخر العنقود المدلل)؛ لتروي ذكرياتها عن جدتها الراحلة فرزانه، التي توفيت في ليالي "يلدا". وتتذكّر بريوش جلوس أفراد العائلة حول موقد "الكرسي"، ووضع أرجلهم تحت اللحاف المزركش في بيتهم الدافئ المتواضع قبل أكثر من 20 عامًا، إلی جانب بعض القصص الخيالية والأساطير التي كانت تحكيها الراحلة حتى ساعات الصباح.
وقبل نحو أسبوعين من حلول المناسبة، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) احتفالات ليلة "يلدا" الفارسية، في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وذلك باسم إيران وأفغانستان.